"لا أريد العودة مرة أخرى الى العريش ولا أستطيع العيش في خوف علي زوجي كلما خرج إلى العمل" ... هي جملة ترددها سيدة جلست بين خمسة أطفال وزوجها، وسط عشرات الأسر المسيحية التي فرت من مدينة #العريش بشمال #سيناء بسبب تكرار حوادث قتل استهدفت #مسيحيين علي يد مسلحين متطرفين منتمين الى تنظيم "ولاية سيناء"، الامر الذي أثار مخاوف من أن يواجه مسيحيو مصر نفس مصير مسيحيي سوريا والعراق الذين نزحوا وهجروا من بيوتهم وأوطانهم هرباً من بطش الجهاديين.

السيدة وأسرتها واحدة من أكثر من 150 أسرة وصلت الى مدينة الإسماعيلية المطلة على قناة السويس آتية من العريش في نهاية شباط الماضي. ولا تزال المدينة تستقبل المدينة بمزيد من الأسر الهاربة من مواجهات مسلحة بين قوات الجيش والمسلحين تسميها السلطات المصرية "حرب على الإرهاب".وتقول السيدة التي ناداها رفاقها أم مينا: "لا نعلم إلى أين نذهب، فكل حياتنا كانت في العريش، ولا نملك شيئاً خارجها، ولكن لا أستطيع العودة للعيش هناك ".

تتحدث أم مينا بلكنة خاصة بأهل الصعيد، وتقول: "أعيش في العريش مع زوجي منذ 23 عاماً...هناك أنجبت أولادي الخمسة، ولا نملك منزلاً في الصعيد، والإسماعيلية أقرب المدن من العريش".

وكانت جماعة "أنصار بيت المقدس" قد أعلنت مسؤوليتها عن هجمات مسلحة استهدفت قوات عسكرية وشرطة في سيناء.وهي غيرت اسمها إلى "ولاية سيناء" بعدما بايعت تنظيم "داعش" في تشرين الثاني 2014.

"النهار" تحدثت الى "أم مينا" التي جلست على تلة من حقائب السفر، أمام مدخل الكنيسة الإنجيلية بمدينة الإسماعيلية، فيما بدت على وجهها آثار تعب السفر والسهر. وأشارت إلى حقائب فيها ملابس قائلة: "هذا ما استطعت جمعه قبل السفر...تركنا هناك ماا نملك، حملنا فقط فقط ما يقينا البرد".

ويأخذ زوجها سمير شكري الكلام ليقول: "الكل في خطر في العريش فمع المواجهات المسلحة يقع المدنيون الرصاص في كل وقت". ويضيف: "ليس المسيحيون فقط هم المستهدفون في سيناء، فالمسحلون الذين ينتمون لداعش لا يميزون بين مسلم ومسيحي وتطول التهديدات كل من يتعامل بالبيع والشراء مع قوات الجيش أو الشرطة". وأكد أن جاره المسلم تعرض للتهديد بالقتل لأن نجله كان يعمل كعامل بناء لسور تأمين أمام قسم شرطة ووحدة عسكرية في المدينة، فاعتبره مسلحو "داعش" عدواً لهم".وأضاف: "هربنا بأولادنا لأن الجميع صار مستهدفاً، وأغلبنا يعمل بالتجارة الحرة ونخشى على حياتنا عندما نخرج للعمل".

أسوأ أيام منذ 38 سنة

لم تعد الحياة في العريش ممكنة لجورج سابا الذي كان يعمل مديراً عاماً لقسم الاستحقاقات في الإدارة الصحية. خرج من المنطقة في شباط الماضي مصطحباً أولاده وزوجته، وقال: "تسلمت مهماتي في العريش عام 1979. ولكنني لم أر أسوأ من الايام العشرين الاخيرة...بقينا في بيوتنا ولم يستطع أحد من أولادي الذهاب الى المدرسة. عشنا رعباً حقيقياً وكنا نخاف فتح أبواب منازلنا لأي أحد. رأيت بعيني جثثاً محروقة في مشرحة مستشفى...الناس الذين يقتلون المسيحيين لم يخرجوا الا في الليل، وكانوا يسألون عن الرجال أولاً فيقتلوهم ويخرجون النساء والأولاد ثم يحرقون المنزل".

وكانت الأمور تدهورت سريعاً بعد مقتل تاجر مسيحي يدعى جمال مطيع في قلب السوق وفي وضح النهار. مذذاك، يقول شكري: "لم نستطع الشعور بالأمان، وتأثرنا جميعاً لأن أغلبنا يعمل بتجارة الخضراوات أو أعمالاً يدوية".

وكان سبعة مسيحيين قتلوا في مدينة العريش على يد مسلحين في حوادث متفرقة على مدار الأسابيع الثلاثة الأولى من شباط الماضي. وفي الهجوم الاخير، قتل مسلحون قبطيا داخل منزله. وذكرت مصادر أمنية وطبية أن المسلحين أطلقوا النار على الرجل أمام أسرته.

وبدأت الحوادث في حزيران الماضي بمقتل القس رفائيل موسى، علي يد مسلحين في منطقة الحرفيين في طريق عودته لمسكنه بمدينة الإسماعيلية.

ولكن النزوح من شمال سيناء بدأ قبل استهداف المسيحيين. ففي نيسان 2015، أزالت قوات الجيش المصري 1190 منزلاً بالمنطقة الحدودية بين رفح المصرية وقطاع غزة في شمال سيناء، ضمن عملية إخلاء الشريط الحدودي مع قطاع غزة من السكان، انتقل بسببها عدد كبير من سكان رفح المصرية إلى مدينة العريش والإسماعيلية للسكن، ولكن هذه الاسر لم تسجل في وزارة التضامن ولم تحصل على أي مساعدة .

 كنيسة العريش لم تتدخل

وعلى رغم مرور أشهر على بدء النزوح، لا تزال الاسر غير مستقرة.ويقول حنا رجل خمسيني إن "خروج الأسر لم يكن منظماً، ولم تتدخل كنيسية العريش في الأمر وطلبنا من الآباء الكهنة هناك توفير ملجأ لنا، فقالوا: من يريد الرحيل فليرحل ومن أراد البقاء يتحمل مسؤولية قراره... فقررنا الرحيل قبل فجر الجمعة لنصل الى الكنيسة هنا ظهرا". ويضيف: "لم نكن نريد احساناً، وكل ما نريده فقط هو الشعور بالأمان".

ويؤكد نبيل شكر الله راعي الكنيسة الإنجيلية بمدينة الإسماعيلية، أنه "لم يكن هناك تنسيق مع كنيسة العريش في استقبال أي أسر ولكن بيت الرب مفتوح للجميع، والآن ننسق بين كنائس كل الطوائف في الإسماعيلية في إجراءات الاستقبال و توفير السكن ومستلزمات الحياة ".

مشكلة في التسجيل

وتتابع كنيسة الأنبا بيشوي بمدينة الإسماعيلية إيواء الأسر وتوزيع المعونات عليهم. ولكن راعي هذه الكنيسة التابعة للأقباط الأرثوذكس يلفت الى مشكلة في إجراءات التسجيل مع وزارة التضامن الاجتماعي "لأنها رفضت تسجيل أي أسر جديدة بعد 114 أسرة ونريد فقط تسجيلها رسميا قبل التوزيع علي محافظات أخرى". وأضاف: "أشرفنا على استئجار شقق للأسر وتابع ديوان المحافظة فرشها".

و قال بيان رسمي لمجلس الوزراء إن عدد الأسر النازحة من شمال سيناء هو 169 أسرة، تم ايواؤها في سبع محافظات، بواقع 108 أسر في الإسماعيلية، و11 أسرة في أسيوط وسبع أسر في القليوبية و17 أسرة في القاهرة، و25 أسرة في بورسعيد، وسبع في المنيا.

إقامة موقتة

ويقول المسؤولون الرسميون إن إقامة مسيحيي العريش بمدينة الإسماعيلية موقتة، على رغم أن غالبية الأسر تفضل البقاء في المدينة وحتى النوم في العراء إذا تعذر تأمين المسكن، حتى استقرار الأوضاع.

وفي الايام الاخيرة، تفقد بعض النواب النازحين في الاسماعيلية. وعندما سأل نازحون عن موعد عودتهم، اكتفى النواب بالاجابة "قريبا" من دون تحديد تاريخ واضح.

ويؤكد ياسين طاهر محافظ الإسماعيلية أن "وجود أسر العريش في الإسماعيلية أمر موقت، والمحافظة تعمل علي استضافتهم بشكل لائق، وقد خصصت وزارة الإسكان 120 شقة سكنية لهم فرشت من خلال تبرعات".

ويضيف محافظ الإسماعيلية وهو لواء سابق بالجيش المصري، أن "الوحدات السكنية جاهزة لاستضافة الأسر المسيحية التي وفدت للاسماعيلية من شمال سيناء هرباً من الأعمال الارهابية وذلك لحين استقرار الأوضاع الأمنية هناك وعودتهم سالمين إلى ديارهم قريبا".

 

عجزت عن دفن ابنها وزوجها

وفيما تتواصل زيارات النواب، جلست نادية فوزي التي قَتل زوجها وأبنها أمام عينيها بجوار أم مينا غير عابئة بمن حولها. بألم كبير وحسرة أكبر، تحدثت عن عجزها عن دفن جثماني زوجها وابنها في العريش لعدم توافر المدفن، مما اضطر العائلة الى نقلهما الى مدينة السويس. وتقول: "لم نستطع العيش هناك فما بالك بالمدفن".

وتنظر إلى أم مينا، جارتها في السكن الموقت ببيت الشباب بالإسماعيلية، وتقول: "الأغنياء في العريش استطاعوا الخروج منها مبكراً قبل اشتداد الأزمة ومن بقي هناك أو تأخر في الخروج هم الأشد فقراً".

 

التعليقات

يلفت موقع النهار الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولاً عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.